حيدر حب الله

328

حجية الحديث

رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) ( هود : 45 - 46 ) ، فقد حذّره من الجهل نتيجة سؤاله ما ليس له به علم ، وهذا لا معنى له إلا الجهل في مقام العمل ، أي أنّ فعل الجاهل هو التصرّف غير الصحيح ، فنزّله منزلة الجاهل من حيث العمل ، وهذا ما نقصده من أخذ اللغة العربيّة مفهوم الجهل بملاحظة العمل ، لا بملاحظة المعرفة فقط . وقال تعالى : ( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) ( يوسف : 33 ) ، فجعل الميل إليهنّ جهلًا ، وهذا خير دليل على كون استخدام المفردة قد جاء بملاحظة جانب العمل . ولعلّ ارتباط الخفّة وعدم السكينة والطمأنينة بالجهل لما ذكره المصطفوي من أنّ العلم يفيد الاطمئنان ، والجهل يفيد الاضطراب والخفّة ، ولهذا تقول العرب : استجهلت الريحُ الغصنَ ، إذا حرّكته فاضطرب ، وتطلق العربُ على الخشبة التي يحرّك بها الجمر : مجهل ، فيعود الوصف الثاني للأوّل بهذا المعنى « 1 » . ولعلّ ما قلناه هو ما دفع الشيخ محمّد رضا المظفر لتفسير الجهل بما قابل الحكمة والتعقّل والرويّة ، وأنّ الجهل مقابل العلم بالمعنى النظري هو من تأثير المصطلحات الفلسفيّة الطارئة على الثقافة العربيّة « 2 » . وسوف يأتي تفصيل الكلام في مفردة الجهالة في الاستخدام القرآني لاحقاً إن شاء الله تعالى . وعليه ، فالمعطيات اللغوية الأوّلية هنا ترجّح الجهل مقابل العلم ، لكنّها كثيراً ما تربطه بجانب العمل والسلوك ، وسيأتي ما يخصّ دلالة الآية الكريمة لاحقاً ، إن شاء الله . المفردة الرابعة : التبيّن ، وهو - كما يقول الجوهري - من البَين وهو الفراق ، وبان يبين

--> ( 1 ) التحقيق في كلمات القرآن الكريم 2 : 131 - 132 . ( 2 ) المظفر ، أصول الفقه 2 : 73 - 74 .